صفحة البداية » رأي النقّاد
القس عبد المسيح بسيط
http://www.christpal.com/shobohat/3abd_almasi7/antithedavincicodenew/part6.htm
وسط جدل عارم وطوفان من الانتقادات ودعوات بوقف عرضه تستعد الأوساط السينمائية لاستقبال فيلم "شفرة دافنشي" والذي سيعرض في افتتاح الدورة التاسعة والخميس لمهرجان كان السينمائي الدولي بفرنسا في 17 مايو 2006 قبل يومين من بدء عرضه تجاريا في جميع أنحاء العالم، بينما يخوض المسيحيون وكثير من المؤسسات الدينية وعلى رأسها الفاتيكان حربا شرسة ضد صناع الفيلم والمطالبة بإحجام الجمهور عن مشاهدته في حال فشل الدعاوي القضائية المطالبة بوقف عرضه في حين حرصت "سوني" الشركة المنتجة على أن تروج لفكرة انه مستوحى من أحداث خيالية وانه فيلم إثارة وليس فيلما دينيا في محاولة لتليين الموقف المسيحي وتشجيع الكاثوليكيين على التوجه إلى دور العرض لمشاهدته.
تطالب الفاتيكان التي -يقدمها الفيلم والرواية على أنها مؤسسة دينية متسلطة زيفت تاريخ المسيحيين وأهدرت دور المرأة- بمنع عرض الفيلم في حين يؤكد أساقفة وقساوسة كبرى الكنائس والكاتدرائيات البريطانية أن الفيلم مبني على كثير من الأخطاء الجوهرية ومحاولات للتشكيك في أسس العقيدة المسيحية أبرزها زواج المسيح بالعذراء وإنجابه فتاة منها. وفي كوريا الجنوبية أثار الفيلم جدلا واسعا حيث قدم المجلس المسيحي هناك طلبا إلى الحكومة لإصدار قرار يمنع عرض الفيلم واتخاذ إجراءات قضائية من الشركة الموزعة لما يحويه من تشويه للحقائق بينما أرسلت جماعة "اوبو سى دى" الايطالية الدينية في روما "6" خطابات إلى شركة "سوني" تطلب منها مراجعة هذا الفيلم أكثر من مرة قبل فوات الأوان والبدء في عرضه احتراما للمسيح والكنيسة.
وعادت الراهبة "ماري مايكل" لتظهر في الصورة مجددا. وتهدد بقيادة مظاهرات تجوب العالم وتحتشد أمام دور العرض لتمنع الجمهور من الدخول وكانت ماري 61 عاما قد قادت مظاهرة ضد صناع الفيلم قبل أشهر دعت خلالها عليهم بعدم استكمال التصوير قائلة: "حين أقابل الله سيعلم إنني حاول ما في استطاعتي أن أعارض ما يفعلون" كما جمعت منظمة المجتمع الأمريكي للحفاظ على التقاليد والعائلة وحماية الأديان TFP ما يزيد على 60 ألف توقيع احتجاجا على الفيلم ويطالبون شركة سوني بمنع عرضه وتأمل TFP أن تصل إلى مائة ألف توقيع عبر الخطابات البريدية و E.MALL قبل موعد عرض الفيلم. وعندما سُئل دان بروان عن ديانته في موقعه الشخصي على الانترنت وقيل له: " هل أنت مسيحي؟ ". أجاب مراوغاً: " ربما ليس بالمعنى التقليدي للكلمة، أنا اعتبر نفسي دارساً لأديان كثيرة، وكلما تعلمت كثير كان لدي أسئلة أكثر، وبالنسبة لي فالبحث الروحي سيكون عملاً متقدماً طويل العمر".
كما وصف دان براون الأديان جميعاً بالكذب والتلفيق (الفبركة)، فقال: " كل إيمان في العالم مبني على تلفيق (فبركة- fabrication). " هؤلاء الذين يفهمون حقاً إيمانهم يفهمون القصص بشكل مجازي.إن الرمزية الدينية أصبحت جزءاًً من الحقيقة الملفقة والعيش في هذه الحقيقة يساعد الملايين من الناس على حل مشكلاتها وبطريقة أفضل" (ص342).
ومن خلال روايته التي مزج فيها الحقيقة بالأكاذيب، والخيال بالواقع، نجده يمزج بين المسيحية والوثنية والعقيدة بالأسطورة، ويحول التاريخ إلى أسرار ورموز وألغاز، وفي ذروة حماسه لأفكاره راح يكيل الاتهامات للكنيسة الكاثوليكية في عقائد لا تخص الكاثوليكية وحدها، بل تخص جميع الطوائف المسيحية من أرثوذكس وبروتستانت وإنجليكان. وبهذا الصدد نذكر أهم الأساطير والأكاذيب التي جاءت في رواية دان بروان ونناقش قضية هل تزوج المسيح:
1 – أسطورة الكأس المقدسة والدم الملكي والنسل المزعوم: تقول هذه الأسطورة، أسطورة الكأس المقدسة (Holy Grail)، أنها الكأس الذي استخدمها يوسف الرامي ليجمع فيها دم المسيح التي تساقط من جسده على الصليب. هذه الكأس كانت لها قوة إعجازية كبيرة. وفي القرن التاسع عشر انتشرت هذه الأسطورة بصورة كبيرة وكتب عنها الكثيرون من الكتاب، وفي القرن العشرين تم تصويرها في كثير من الأفلام الروائية. وأخيرا صدرت في كتاب روائي باسم: " الدم المقدس، الكأس المقدسة " سنة 1982م. وفي هذا الكتاب قدم مؤلفوه الثلاثة الأسطورة بأسلوب تقديم الحدث التاريخي في صورة رموز وألغاز وأسرار، وحولوا دم المسيح إلى نسل للمسيح والكأس إلى رحم مريم المجدلية، الذي حمل نسل المسيح، دم المسيح.
2 – مملكتي ليست من هذا العالم: قال الكاتب أن المسيح من نسل داود الملكي وأنه وريث عرش داود بمعني دنيوي حرفي، كما زعم أن المجدلية من سبط بنيامين ومن سلالة ملكية: " كانت من عائلة بنيامين؟
3– من هو رأس الكنيسة؟ يزعم الكاتب أن المسيح كان يعد المجدلية لتكون هي قائدة الكنيسة ورأسها، فيقول: " وفي تلك الفترة حسب ما يذكر الإنجيل, يشعر يسوع بأنه سوف يتم القبض عليه وصلبه قريباً, لذا فهو يقوم بإعطاء مريم المجدلية تعليمات حول كيفية متابعة كنيسته بعد أن يموت. ونتيجة لذلك يعبر بطرس عن استيائه حول قيامه لامرأة تحتل البطولة, يمكنني القول إن بطرس كان متعصباً للرجال ".
4 – جماعة أخوية سيون: " رمز جماعة أخوية سيون " أدعى الكاتب أن جماعة " أخوية سيون "، والتي أعطى لها أهمية خاصة في روايته، أنها منظمة قديمة ترجع لسنة 1099م! كله من تزييف وفبركة.
5– الشكينة: زعم الكاتب أن قدماء المصريين عبدوا الإلهة " شكينة " كمساوية ليهوه!!
6 – الفاتيكان: أشار الكاتب مرات عديدة للفاتيكان كمركز القوة الدينية في الكنيسة الكاثوليكية، بل ويرى البعض، خاصة من غير المسيحيين، في كلمة الفاتيكان إشارة إلى كل ما هو مسيحي، بل ويراها البعض كخزانة للأسرار ويرجع بتاريخها للعصور الأولى للمسيحية..
7 – اسم الله القدوس يهوه: زعم دان براون أن اسم الله القدوس يهوه مأخوذ من اسم Jehovah المخنث والذي يتضمن الذكورة والأنوثة معاً!! والمكون من اتحاد المذكر Jah والاسم السابق للعبرية Eve فصار Havah !! وهذا في حد ذاته يدل على جهلة الفاضح، ومدى الفبركة والتلفيق في ادعاءاته!!
8 – الموناليزا وآمون وإيزيس: أدعى براون أن الإله آمون اليوناني والإلهة المصرية إيزيس كانا يمثلان زوج إلهي في الأسطورة المصرية!!.
هل يمكن أن يكون المسيح قد تزوج؟ زعم الكاتب ذلك وبني زعمه وادعاءه على نقطتين هما: الأولى هي ادعاؤه: " أن يسوع كان يهودياً وقد كان العرف الاجتماعي في ذلك العصر يحرم تماماً علي الرجل اليهودي أن يكون أعزباً, كما أن الامتناع عن الزواج كان ذنباً يعاقب عليه بحسب التقاليد اليهودية, وكان واجب الأب اليهودي أن يجد زوجة مناسبة لابنه, فلو كان المسيح أعزباً, لكان ذلك قد ذكر في احد الأناجيل وتم تفسير حالة عدم زواجه غير المألوفة علي الإطلاق "!!
والثانية هي فهمة الخاطيء لعبارة "رفيقة" والتي وردت في الكتاب الأبوكريفي المسمى بالإنجيل بحسب فيليب، وقوله أن المسيح كان يقبل المجدلية، وخاصة كلمة "في فمها" والتي لم توجد أصلا في المخطوطة القبطية للكتاب. وللإجابة على ذلك نوضح: أولاً: لم يذكر العهد الجديد في أي موضع مطلقاً أن المسيح كان متزوجاً، هذا بافتراض ناسوته، كإنسان، ولم يكن من ضمن رسالته ذلك، ولم يكن من ترتيبه ذلك. ولم يمهد لخلافة تكون من نسله أبداً. فقد جاء الرب يسوع المسيح لنشر ملكوت السموات في العالم أجمع، وقد أعد لذلك تلاميذه ليكونوا شهودا له ولعمله الفدائي ولرسالته ككل.
ولو كان في نيته الزواج وإنجاب نسل ملكي، كما هو مزعوم، لكان قد أعلن عن ذلك، بل وكان قد جهز نسله الملكي المقدس لهذه المهمة. كما ظهر مع المسيح أمه العذراء القديسة مريم وأخوته أكثر من مرة. ولم يذكر أن له زوجة مطلقاً. وعند الصليب سلم المسيح أمه لرعاية تلميذه الحبيب يوحنا وإذا كان له زوجة فلماذا يتركها دون أن يسلمها ليوحنا مع أمه لتكون تحت رعايته ورعاية أمه؟ كما أن زعمه بأن كل رجل يهودي، حسب العرف الاجتماعي في ذلك العصر، لابد أن يتزوج فهذا ادعاء كاذب وباطل؛ فقد كان هناك عدد كبير من الأنبياء غير متزوجين مثل ارمياء النبي ويوحنا المعمدان، بل وكانت هناك جماعات من اليهود ترفض الزواج مثل جماعة الآسينيين في قمران، زمن المسيح. ثانياً: فهمه الخاطيء لما جاء في الإنجيل الأبوكريفي بحسب فيليب، حيث يقول: "ورفيقة المخلص هي مريم المجدلية, أحبها المسيح أكثر من كل التلاميذ واعتاد أن يقبلها في معظم الأحيان من فمها. وقد تضايق باقي التلاميذ من ذلك وعبروا عن استيائهم. وقالوا آه ," لماذا تحبها أكثر منا؟ ". قال تيبينج بالفرنسية ثم ابتسم مشيراً إلى السطر الأول: إذا سألت أي عالم باللغة الآرامية فسيقول لك أن كلمة رفيقة في تلك الأيام كانت تعني حرفياً الزوجة "!! وهذا الزعم كاذب ومجرد ادعاء بلا دليل، لأن النسخة التي عثر عليها من هذا الكتاب في مكتبة نجع حمادي مكتوبة بالقبطية وليس الآرامية، ويرى العلماء أن الكتاب والذي كتب أصلاً في القرن الرابع كتب باليونانية، ولو أفترضنا أن الكلمة اليونانية كانت تعني زوجة لترجمت "زوجة" وليس رفيقة. فمن أين أتى الكاتب بالمعنى من الآرامية والكتاب لم يكتب بها؟! أما عبارة "واعتاد أن يقبلها في معظم الأحيان من فمها"، فهي عبارة غير دقيقة، لأن المخطوطة التي وردت بها قديمة وبها أجزاء تالفة ولم ترد فيها كلمة "فمها" على الإطلاق، فقد وردت هكذا و"عتاد أن يقبلها في معظم الأحيان من ..."، ولم ترد كلمة معينة هنا،بل فراغ، وقد وضع بعض المترجمين كلمة من فمها لسد هذا الفراغ، ولكن هذا غير علمي، فيمكن أن توضع كلمات مثل " يدها أو وجهها " مثلاً، أو يترك الفراغ كما هو. كما لا يعني التقبيل هنا الجنس، فبحسب مفهوم إنجيل فيليب نفسه فالمسيح روح محض، ولا يمكن أن تعني قبلته سوى علامة حب روحي لا أكثر ولا أقل. كما أن بقية النص يقول: "وقد تضايق باقي التلاميذ من ذلك وعبروا عن استيائهم. وقالوا "آه لماذا تحبها أكثر منا؟" السؤال هنا هو، لو كانت المجدلية هي زوجته فهل كان التلاميذ يسألون مثل هذا السؤال؟ هل يسأل لماذا يحب زوجته أكثر من تلاميذه؟ والرب يسوع المسيح نفسه يقول، وينقل عنه القديس بولس قوله: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا" (مت19 :5، أف5 :31). لقد تضايقوا، بحسب مفهوم الكاتب، بسبب تفضيل وليس بسبب زواج.
|